السبت, 16 تشرين1/أكتوير 2010 11:13

الطرق الصوفية في السودان... خريطة معلوماتية

كتبت بواسطة  وليد الطيب
Rate this item
(20 votes)
sofiasodanدخل الإسلام السودان عقب الصلح بين ملك النوبة والجيش الإسلامي الفاتح بقيادة الصحابي عبد الله ابن أبي السرح رضي الله عنه، في عام 31 هـ، ومن خلال العلاقات السلمية انتشر الإسلام والعروبة في السودان، وكان إسلاميا سنيا في طبيعته العامة ولكن بعد تدفق القبائل البدوية العربية من جهينة إليه من جنوب مصر، غلب عليه الجهل بأحكام الدين وتفاصيل الشريعة، يقول ابن خلدون (وانتشرت أحياء العرب من جهينة في بلادهم واستوطنوها وملكوها وملأوها عبثا وفسادا).

وقد بلغت الحالة الإسلامية في السودان في بعض أنحاء السودان درجة من الضعف العلمي الشرعي" أن الرجل كان يطلق المرأة ويتزوجها غيره في نهاره ومن غير عدة حتى قدم الشيخ محمود - راجل القصير- العركي من مصر وعلم الناس العدة" في تلك الأنحاء، والشيخ العركي هو طليعة التصوف السوداني الباكر، ويعبر عن طبيعة مرحلة من مراحل التصوف السودان والذي انتقل من طور إلى طور حتى انتهى إلى ما يُعرف بـ"التصوف الجديد"، ويمثل الشيخ الأمين عمر الأمين، شيخ الطريقة المكاشفية بأم درمان نموذجه البارز.


أطوار التصوف السوداني
طور التصوف العلمي

بدأ التصوف العلمي من وقت باكر من تاريخ دخول الإسلام في السودان ويمتد إلى السنوات الأولى من قيام دولة الفونج الإسلامية (1505م- 1821م) يتميز هذا الطور بطابع علمي بجانب طبيعته الصوفية الزهدية، إذ لم يعرف السودان في تلك الفترة تشعب الزهاد في طرق مستقلة عن بعضهم كما جرى لاحقا، بل كانت حركة صوفية عامة، يتولى القيادة الروحية والعلمية فيها مجموعة من الدعاة الزهاد الذين شغلوا أنفسهم بالعبادة والدعوة إلى الإسلام.

وقد وفد علماء هذا التيار من الحجاز ومن مصر " وكان جل من وفد من مصر من الفقهاء بينما تميز الأثر الحجازي بغلبة رجال الطرق الصوفية عليه، وساعد التيار المغربي في إثراء كل من الطابع العلمي والصوفي"  السوداني.

هؤلاء العلماء - وأتباعهم السودانيين - كانوا يدينون بالمذهب المالكي في الفقه وأقوال أبي الحسن الأشعري في الاعتقاد، ويستمسكون بالسنة النبوية في العبادة والأخلاق والسلوك والشريعة الإسلامية في الأحكام ما وسعهم ذلك، وهذا التيار هو الذي حمل على عاتقه نشر العلم والفقه والعقيدة الصحيحة بين السودانيين.

رغم تزحزح هذه المدرسة في التصوف السوداني عن مكان السيادة  لصالح نمط آخر من التصوف "التصوف الباطني"، إلا إنها استمرت فاعلة في الحياة الدينية السودانية، وبقيت بعض المراكز الصوفية منارات للتعليم، والدعوة كما تواتر ظهور رجال فقهاء متصوفة يتمسكون بأصول هذا التيار وآدابه كالسادة المجاذيب في بلدة الدامر شمال السودان ومدينة القضارف في شرقه.

تيار التصوف الباطني

برز هذا التيار وليداً شرعياً لتمازج طويل، يمتد لعدة قرون، بين عدة مؤثرات، تفاعلت فيما بينها وشكلت الحالة الفكرية والوجدانية للسودانيين، وهي: المؤثر المسيحي القديم والمؤثر الوثني القديم بكل ما فيه من سحر وشعوذة ودجل وأخيرا المؤثر الإسلامي.

وقد دخلت الثقافة العربية الإسلامية مع الأصول المحلية في تصارع أنتج  لنا مثل هذه الألوان من الثقافة والفكر، وقد انتهى هذا التمازج إلى إنتاج تصوف سوداني، يجمع ما بين الأسطورة والإشراق القنوصي بجانب اتصاله بأصول الإسلام السني.

وقد ساد هذا التيار الحياة الدينية في السودان، بسبب حادثة فارقة في تاريخ التدين في السودان، وقد وقعت بين الشيخ محمد الهميم الصادقابي، وبين قاضي العدالة الشيخ محمد ببن مدني دشين، يرويها محمد ولد ضيف صاحب كتاب الطبقات، الذي ترجم فيه لصوفية السلطنة الزرقاء(1505م -1821): (أن الشيخ دشين فسخ نكاح الشيخ محمد الهميم، الذي أخذ الطريقة من الشيخ تاج الدين البهاري -  الذي قال عنه: جئت من بغداد من أجل هذا الولد- وكان ملاماتيا، وذلك أنه في حالة الجذب الإلهي زاد على المقدار الشرعي من النساء وجمع بين الأختين حيث جمع بين الأختين (كلثوم وخادم الله) بنات الشيخ بان النقا الضرير أحد أقطاب التصوف الأربعة في السودان، الذين أخذوا الطريق من البهاري.. فأنكر عليه القاضي دشين حين قدم الشيخ الهميم وحضر صلاة الجمعة بأربجي- مكان عمل القاضي الدشين - فلما أراد الخروج من الجامع قبض دشين لجام الفرس وقال له: خمست وسدست وعشرت في الناس - أي تزوجت خمساً وستاً وعشراً- حتى جمعت بين الأختين، تخالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟

فقال له: ما تريد بذلك؟. قال: أريد أن افسخ نكاحك !!فقال له: الرسول-  صلى الله عليه وسلم-  إذن لي – والشيخ إدريس يعلم هذا! وكان الشيخ إدريس حاضراً فقال الشيخ إدريس لدشين: هذا الكلام صحيحا .. خلِّ بينه وبين ربه!
فقال دشين: جميع هذه الأنكحة فسختها"  .

وبعد فترة من الزمن أصيب القاضي الدشين بمرض جلدي فعُدَّ ذلك كرامة للشيخ الهميم الذي جمع بين الأختين، وهن بنتا الشيخ بان النقا الضرير، الذي أخذ التصوف من ذات الطريق الذي أخذ منه الشيخ محمد الهميم.

ويعبر الشيخ الهميم عن موقفه الباطني شعراً:
"فإن كنت يا قاضي قرأت مذاهبا   فلم تدر يا قاضي رموز مذهبنا
فمذهبكم نصلح به  بعض ديننا    ومذهبنا يعجم عليكم إذا قلنا"
والشيخ الهميم رجل أمي لم يتلق العلم ولا يحفظ من القرآن إلا بعض قصار السور التي بين سورة الزلزلة والناس وفق ترتيب المصحف الشريف.


ظهور الطرق الصوفية في السودان

sofiasodannارتبط ظهور الطرق الصوفية بالشيخ تاج الدين البهاري الذي وفد إلى السودان في عام 1577م، بعد أكثر من خمسين سنة من قيام أول سلطنة إسلامية في البلاد  وقد اختلف المؤرخون ورجالات الطرق الصوفية المعاصرون حول أصله، فمنهم من ينسبه للعراق ومنهم من ينسبه إلى مدينة بهار بالهند ولكن المتفق عليه أن البهاري هو من أدخل الطريقة القادرية للسودان، وهى الآن من أكبر الطرق الصوفية بالسودان، مثلما هي أول الطرق دخولا إليه. كانت الطريقة القادرية سنداً قوياً لدولة الفونج (1505م-1821م) وتأثرت بسقوطها وتفككها، وقد أدى هذا التفكك إلى إن تصبح بعض هذه المجموعات الصوفية قبائل مثل العركيين ولم تكن هناك قبيلة بهذا الاسم قبل ظهور الطريقة القادرية، ثم وفدت طرق صوفية أخرى، وتقدر الرئيسية منها بسبعة طرق ومن هذه الطرق التي انشطرت بمتوالية هندسية انتشر التصوف في السودان، ويركز هذا التقرير على رؤوس هذه الطرق، وكذلك الطرق التي استطاعت البقاء والامتداد، هي:

1.الطريقة القادرية

تنسب الطرقة القادرية للشيخ عبد القادر الجيلاني (ت 1166م)، وينتمي إليها أقطاب التصوف السوداني التاريخيين: العقوباب – وقد تحولوا للطريقة السمانية لاحقا- ، والصادقاب، والشيخ عبدالله الحمال جد الدكتور حسن الترابي الزعيم  الحركة الإسلامية السودانية الحديثة، وللطريقة انتشار في وسط السودان وشماله وفي دارفور كما تنتشر بين قبيلة الأمرار إحدى فروع قومية البجة بشرق السودان.وهذه الطريقة كانت وثيقة الصلة بالحاكم طوال تاريخ السودان.

أخذ الطريقة والعهد

إن من آداب أخذ البيعة عند القادرية يسبق المريد أخذ العهد بأن يصلي ركعتين بنية التوبة لتصدق توبته لله ويغفر الله له ذنوبه وآثامه ليدخل الطريقة نقياً طاهراً ثم يجلس المريد بين يدي شيخه ملاصقاً ركبتيه بركبتي شيخه وواضعاً يده اليمني بيد شيخه اليمنى، ويتلو طالب الانتساب "الاستغفار، وشهادة التوحيد ( لا إلا الله) بالإضافة للصلاة على النبي عليه أفضل الصلوات والسلام" ثلاث مرات، ثم  يلقنه الشيخ  جملة: (أن الطاعة تجمعنا والمعصية تفرقنا) وهذه الكلمة تمثل شرط البيعة. ثم يؤكد المريد أنه أصبح مريدا للشيخ عبد القادر الجيلاني، ثم يتلو الفاتحة مع الشيخ ويقبل يد شيخ ويكون بذلك أصبح قادرياً.

ولهذه الطريقة عشرات الفروع: اشتهر للطريقة القادرية: العركيين والمكاشفية، بولاية الجزيرة وسط السودان، ولها وجود في إقليم كردفان غربي السودان ومن أبرز مراكزها الدعوية؛ مركز طاسين القادري في جبال النوبة (منطقة تقلي) ومركز الدلنج القادري ولها انتشار في الإقليم الشمالي، في منطقة بربر وقد اشتهر هناك من رجال الطريقة الشيخ الجعلي  بقرية كدباس.

رجال الطريقة:

من المعاصرين اشتهر  الشيخ عبد الله العركي (أزرق طيبة) وهو صوفي وسياسي يؤيد الحزب الاتحادي الديمقراطي ويتهمه البعض بأنه ما يزال ماركسيا على عهده منذ أن كان طالبا شيوعيا بجامعة الخرطوم في مطلع الستينيات من القرن العشرين، واشتهر كذلك من الطريقة القادرية الخرسانية، الشيخ عبد السلام  عبد الرحمن الناطق. ومن القادرية البادراب اشتهر الشيخ.


2.الطريقة السمانية

نُسبت هذه الطريقة لمؤسسها  الشيخ محمد بن عبد الكريم السمان (1132هـ/1189هـ) ، الذي كان يقيم بالحجاز، وأخذه عنه الشيخ السوداني أحمد الطيب البشير  (1155هـ/1239هـ) المدفون بأم مرحي على مسافة 40 كيلو متر شمال أم درمان، وعرفت الطريقة في السودان بالطريقة السمانية الطيبية .

وتتميز هذه الطريقة بتعدد مراكزها الدعوية ولا تشترط أن يكون شيوخ الطريقة وخلفائها من نسل الشيخ المؤسس، فقد اشتهر منها الشيخ عبد الرحيم وقيع الله (البرعي السوداني) في بادية كردفان، والشيخ قريب الله ولد أبو صالح في أم درمان والشيخ عبد المحمود نور الدائم بالجزيرة وسط السودان.

ولهذه الخصيصة استطاع الإمام المهدي السوداني من استقطاب أتباع الطريقة السمانية في ثورته على الاستعمار التركي وتحرير السودان من نيره في العام 1885م. ويرى بعض الباحثين أن الطريقة ظلت على الدوام مخزنا بشريا وروحيا لحركات المقاومة والجهاد، ويمكن أن يتقدم مريد متميز ليقود صفوفها.

المبايعه أو العهد

نكتفي هنا بنقل صيغة العهد كما هي عند الطريقة السمانية بأم درمان، وفيها يردد المريد خلف الشيخ المرشد بعد (البسملة والفاتحة وبعض الآيات التي فيها إشارة للعهد): "رضيت بالله تعالى رباً، وبالإسلام ديناً، وبالكعبة قبلةً، وبالطريقة السمانية الطيبية منهجاً وسلوكاً، وبسيدي الشيخ أحمد الطيب شيخاً، وبسيدي الشيخ قريب الله وسيدي الشيخ الفاتح مربيين ومرشدين، وبالفقراء إخواناً، لي ما لهم، وعلي ما عليهم، الطاعة تجمعنا، والمعصية تفرقنا، أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه" (ثلاثاً) .

فإذا ما انتهت المبايعة لقن الشيخ المريد كلمة التوحيد وهي: (لا إله إلا الله) ثلاثاً ، ثم يختم بقراءة الفاتحة والدعاء، على أن يكون الشيخ مُسمكاً بيد طالب الطريق (أو المجدد للعهد) خلال المبايعة - إن كان المبايع رجلاً - وإن كانت امرأة اكتفى بمبايعتها وتلقينها فقط. وبعد يرتدي المريد شعار الطريق هو الحزام جلدي بني اللون يربط به المريد وسطه ويسمى (الكرابة)، وهو رمز ظاهري تجسيدي يُنبئ به المريد شيخه والآخرين بعزمه القلبي الجاد في السير إلى الله تعالى عبر المنهج التربوي للطريقة السمانية .

مراكز الطريقة:

للطريقة عدة في أقاليم السودان المختلفة، وتعد قريتا (أمرحي) و(طابت) في ولاية الجزيرة من أشهر مراكز الطريقة بالإضافة لمسيد الشيخ قريب الله أبو صالح بأم درمان و قرية (الزريبة) ببادية كردفان.

مشايخ الطريقة ورموزها:

ويعد عميد الزريبة ببادية كردفان الشيخ الأديب محمد وقيع الله البرعي أبرز رموز الطريقة طوال القرن  المنصرم واشتهر منهم على نطاق واسع البروفيسير حسن الفاتح قريب الله وأخيه البروفيسير الطيب الفاتح والشيخ الشاب محمد حسن الفاتح قريب الله الذي يقود الطريقة بأم درمان الآن، وفي الخرطوم بحري اشتهر الشيخ زين العابدين وابنه الشيخ الشعراني ، وفي سنار وسط السودان اشتهر الشيخ محمد الصابونابي وابناؤه وفي جبل الأولياء جنوبي الخرطوم عرف الشيخ الياقوت.


3. الطريقة الختمية

almerganyتعتبر الطريقة الختمية حديثة النشأة مقارنة بالطرق الصوفية الأخرى في السودان فقد أسست في 1817م على يد السيد محمد عثمان الميرغنى الختم (1793-1853) وهو من أشراف مكة، أرسله أستاذه الشيخ أحمد بن إدريس ليبصر بأمور دينهم وليدعوا للإسلام  في السودان، وقد أرخ لأسرته الشيخ مرتضى الزبيدي والشيخ الجبرتي في تاريخه وأحمد بن إدريس في الإبانة النورية وغيرهم . وتنتشر الطريقة الختمية في مصر وشرق القارة الأفريقية وغربها وأوسطها وشمالها بجانب مركزها في السودان.

وتعتبر الختمية من الطرق الصوفية الكبيرة ذات التنظيم المركزي، ولهذا لم يصبها ما أصاب الطرق الأخرى من تفكك. وقد أستقل عنها الشيخ إسماعيل الولي (1793-1863) وأنشأ طريقة باسم الإسماعيلية في عام 1846م.

تعرضت الطريقة الختمية للتضيق في عهد الدولة المهدية (1885-1898م)، مما أضطر مرشدها الروحي السيد علي الميرغني إلى اللجوء إلى مصر، ويتهم زعيمها السيد علي الميرغني بأنه عاد في ركاب الجيش الانجليزي الغازي للسودان، وتمتعت الطريقة بالتأييد الحكومي طوال عهد الاحتلال الانجليزي للسودان.

في العام 1956م، أسس مرشدها بالتعاون مع بعض المثقفين حزب الشعب الديمقراطي، ويدعو دستور الحزب الى أن يكون السودان موحدا، ودستوره إسلاميا، والعربية لغة رسمية له، وتبني سياسة عدم الانحياز التي أقرها مؤتمر "باندونج". ثم اتحد الحزب مع الحزب الوطني الاتحادي وكونا الحزب الاتحادي الديمقراطي، وقد أصبح الحزب من أقوى الأحزاب السودانية التي تداولت السلطة عدة مرات.

مراكز الطريقة:

تعتبر الخرطوم بحري معقل الطريقة، وبها مسجد الطريقة الرئيس ومدفن السيد على الميرغني. وتعتبر مدينة كسلا شرقي السودان المركز الثاني للطريقة التي يمتد نفوذها بين القبائل المشتركة بين السودان وإرتيريا وللطريقة مراكز للارشاد بدولة ارتيريا وتنتشر الزوايا الختمية في أغلب مدن السودان.

أشهر رموزها:

ارتبطت شهرة الطريقة في الأربعين سنة الأخيرة السيد محمد عثمان الميرغني وهو حفيد مؤسس الطريقة ويتولى محمد عثمان زعامة الحزب الاتحادي الديمقراطي أيضا


4.الطريقة الشاذلية

تنسب إلى أبي الحسن الشاذلي ، ووفدت هذه الطريقة إلى السودان بجهود الشيخ حمد أبو دنانه صهر الصوفي الشيخ أبو عبدالله بن محمد بن سليمان الجزولي (ت 1465) زعيم الطريقة الشاذلية في المغرب ، ومؤلف كتاب "دلائل الخيرات".  قدم أبو دنانة إلى السودان من المغرب في النصف الثاني من القرن الخامس عشر، والذي أقام بقرية سقادي بشمالي السودان.

وتعد الطريقة الشاذلية من أول الطرق الصوفية انتشارا في السودان ومع ذلك كادت أن تندثر آثارها، لولا جهود الشيخ المؤسس الثاني هو محمد المجذوب الصغير (1796-1832)، الذي قام بأمر الطريقة بعد عودته من رحلة في طلب العلم الشرعي في الحرمين الشريفين وقد نجح في نشرها بين قبيلة الجعليين – ثاني أكبر قبائل السودان عددا بعد قبيلة الدينكا في جنوب السودان- ، كما نجح في مد نفوذها لديار البجا في شرق السودان. وأشهر فروعها الطريقة المجذوبية التي تنتشر في شمالي السوداني في منطقة الدامر وفي شرق السودان.

تلتزم الطريقة الشاذلية في السودان بأوراد الطريقة الشاذلية العامة، وأحزاب الشاذلي وأوراده وجدت رواجاً لا بين مريديه وأتباعه فحسب بل أمتدت إلى تراث الطرق الأخرى. وكثير من الأدعية  التي يردّدها الناس فيها مسحة من هذه الأوراد. ومن أشهر أحزاب الشاذلية "حزب البر"، وحزب النور، وحزب الفتح، وأورادها استغفار وأدعية حدّد لها أعداد معينة وأوقات خاصة.


5.الدعوة المهدية

لا يمكن وصف الحركة التي تزعمها الإمام محمد أحمد المهدي (المهدي السوداني)، بأنها طريقة صوفية تماماً، رغم خروج مؤسسها من صفوف الصوفية وقد الإمام محمَّد أحمد المهدي تبوأ مقاماً رفيعاً في الطريقة السمانية. وقد مهدت تعاليم الصوفية لظهور المهدي وجعلته في صورة قطب صوفي، فالمهدي قد أبطل الطرق الصوفية. وقد روى عنه قوله "من كان عنده مذهب أو نص أو شيخ فيترك مذهبه ونصه وشيخه".

ويرى المهدي أن رسالة دعوته هي "إحياء نور النبي صلى الله عليه وسلم" دون التقيد برأي إمام متبوع من أئمة الفقه أو شيخا يقتدى به من زعماء الطرق.

فأصحاب المذاهب الأربعة عند المهدي "هم رجال ونحن رجال" و "طريقتنا لا إله إلا الله محمد رسول الله، ومذهبنا الكتاب والسنة، وما جاء من عند الله على رؤوسنا، وما جاء من النبي صلى الله عليه وسلم على رقابنا، وما جاء من الصحابة إن شئنا عملنا به وإن لم نشأ تركناه"، "وقد طرحنا العمل بالمذاهب ورأي المشايخ". وهذه الوجهة سلفية في الحركة المهدية.

وتميزت الدعوة المهدية بالجمع بين الجهاد وبين الأدب الصوفي المتمثل في إلتزام أوراد معينة اسمها "الراتب" ، ولكنها لم تركن إلى الأوراد فقط كما تفعل الطرق الأخرى.

يقول محمد أحمد المهدي: "الطريقة ـ الصوفية ـ فيها الذل والانكسار، وقلة الطعام وقلة الشراب، والصبر وزيارة الأولياء، أمَّا المهدية ففيها ـ أيضاً ـ ستة: والحرب، والحزم، والعزم، والتوكُّل، والاعتماد على الله، واتفاق القول". والمفارقة بين المهدية والتصوُّف واضحة، فتلك تبحث عن النجاة الفردية، وهذه تنطلق من أعمال القلوب الإيجابية لمناصرة أمة مهيضة الجناح.
تعرضت هذه الطائفة لحرب استئصالية من الحكومة الاستعمارية في السودان (1899-1956م)، إلا أنها ظلت صامدة حتى أعاد عبد الرحمن بن الإمام المهدي تجديد الطائفة بعد أن نزع الروح الجهادية من تكوينها الفكري، ثم دمجها لاحقاً في العمل السياسي السلمي في مواجهة المستعمر من خلال تأسيس حزب الأمة في 1946م.

وسعى السيد الصادق المهدي (1933-..)، الإمام الحالي للأنصار إلى إضعاف تكوينها الديني بدمجها في القيم الحداثية العالمية الجديدة.

العهد والمبايعة

في القديم كان الانضمام إلى الدعوة المهدية بلا تقاليد سوى لبس المرقعة، وهي جلباب يرتدى من أي وجه لبسته به، وذلك للطبيعة الجهادية للحركة ثم النفور جاهدا في سبيل، وقد أدخل السيد الصادق المهدي الإمام المعاصر للطائفة صيغة جديدة للبيعة والعهد ونصها "بايعناك على قطعيات الشريعة، بايعناك على بيعة الإمام المؤسس الأول وخليفته - محمد أحمد المهدي والخليفة عبد الله التعايشي-، بايعناك على بيعة الإمام المؤسس الثاني – السيد عبد الرحمن- وخليفتيه –الصديق والهادي ابنا عبد الرحمن المهدي- بايعناك على الشورى وحقوق الإنسان، بايعناك على الطاعة المبصرة فيما يرضي الله ورسوله، والله على ما نقول شهيد، بايعناك على صلاح الدنيا وإدراك الآخرة "
مراكز الطائفة:

alsadkalmahdy
تعتبر أم درمان المركز الرئيس للطائفة، ويعود فضل تأسيس المدينة يعود للمهدي ودولته، وتعتبر منطقة (الجزيرة أبا) وهي معتكف المهدي الكبير المعقل الإقليمي للطائفة وتمثل دارفور وولاية الجزيرة وولاية النيل الأبيض المجال البشري والجعغرافي والسياسي للطائفة.

رموز الطائفة

من أبرز رموزها في القديم الإمام المهدي السوداني وخلفائه الأربعة، ثم السيد عبد الرحمن المهدي في جيل تالي، وفي هذا الأوان السيد الصادق المهدي والشيخ عبد المحمود أبو.

4.الطريقة البرهانية

أسسها الشيخ ’محمد عثمان عبده البرهانى (ولد 1902)، الذي استطاع أن ينشر الطريقة في جميع أرجاء السودان ومصر وإنتشرت الطريقة في أكثر من سبعا وثلاثين دولة في قارات آسيا وإفريقيا وأمريكا وأوروبا. تتميز الطريقة التجانية باتخاذ علماً مكون من  ثلاثة ألوان الأبيض والأصفر والأخضر،  وشيخ الطريقه البرهانيه الحالي هو الشيخ محمد الشيخ إبراهيم الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني المالكي المذهب .

أوراد الطريقة

للطريقة عدة اوراد، أشهرها الحزب السيفي، وحزب المغني، والأساس، الصلاة المحمدية ، صلاة ابن بشيش، والحزب الكبير والحزب الصغير.

في سنة 1393هـ - 1974م أصدرت رئاسة مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف حكماً بحظر ومنع تداول الكتابين الذين ألفهما محمد عثمان البرهاني وهما (تبرئة الذمة .وبطائن الأسرار( وحكمت الرئاسة بكفر مؤلفهما وكفر وردة كل من انتمى إلى الطريقة البرهانية عن قناعة واختيار...وأصدرت السلطات المصرية حكماً بحظر الطريقة البرهانية في مصر(صحيفة اللواء الإسلامي في عدديها الخميس 20 محرم 1409هـ والخميس 27 محرم 1409هـ) وفي سنة 1398هـ - 1979م قامت وزارة الداخلية بالحكومة السودانية بإلقاء القبض على أتباع الطريقة البرهانية وحرقت مؤلفاتها .

في سنة 1400هـ -1980م أصدر المجلس الأعلى للطرق الصوفية بجمهورية مصر !!! قراراً بالرقم  ونص المادة الأولى منه :(( عزل السيد محمد عثمان عبدو من وظيفته ومشيخته لمشيخة الطرق الصوفية بجمهورية السودان الديمقراطية ..).وظهرت الطريقة البرهانية مرة أخرى بعد سقوط نظام الرئيس النميري، في العام 1985م.

مراكز الطريقة ورموزها:

يعد مسجد الطريقة في منطقة السوق الشعبي جنوبي الخرطوم واحداً من أكبر مساجد العاصمة الخرطوم، ومركزا للطريقة، ودفن مؤسس الشيخ محمد عثمان عبده في مسجده ويحج إلي سنويا آلالاف المريدين من السودان وأوروبا إلى قبره. وللطريقة عدة زوايا بألمانيا وفرنسا وغيرها من الدول. ويقود الطريقة الآن الشيخ محمد بن إبراهيم وهو حفيد الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني مؤسس الطريقة.


5. الطريقة التجانية

أسسها أبو العباس أحمد بن محمد بن المختار بن سالم التيجاني المتوفى في 1230 هـ ، وهو جزائري المولد. وقد بدأت هذه الطريقة في مدينة أبي سمغون بالجزائر وصار لها أتباع في الجزائر والمغرب وتونس ومصر وفلسطين والشام والسنغال ونيجيريا. وانتشرت في بدء أمرها في السودان وبصفة خاصة في إقليم دارفور وبين رجال القبائل المنحدرة منه والتي تعود أصولها الإثنية إلى غرب أفريقيا ثم انتشرت بدأت في الانتشار في شمال السودان في مدن بربر والمتمة.
تولى علماء هذه الطريقة وظيفة الفتوى في السودان زمنا طويلا، وممن تولى منصب مفتي الديار السودانية من رجال الطريقة الشيخ أبو القاسم هاشم وأخوه الشيخ الطاهر هاشم  كما كان الشيخ محمد البدوي شيخ علماء السودان مكانة خاصا بين مريدي الطريقة.

كان لشيوخ هذه الطريقة انفعال ومشاركة في المطالبة بدستور اسلامي في فجر الاستقلال واشتهر في هذ الصدد الشيخ مجذوب مدثر الحجاز.

مراكز الطريقة وعلمائها:

للطريقة مراكزا في كل مدن السودان، واشتهرها منها مراكز آل الحجاز بأم درمان. ولها مراكزا في مدن جنوب السودان الكبرى. ويعد الأستاذ الجامعي الشيخ البروفيسير عمر مسعود أبرز أعلام الطريقة ومن أعيانها كذلك الشيخ جعفر الدرديري في منطقة خرسي بشمال كردفان والشيخ يوسف بسنار وغيرهم.


6. الطريقة الإدريسية

يعود نسب الطريقة إلى أبناء الشيخ أحمد بن إدريس الفاسي المغربي، وانتشرت هذه الطريقة في شمال السودان وتمثل مدينة دنقلا مركز ثقل الطريقة ثم انتقل المركز الروحي إلى مدينة ام درمان بالعاصمة السودانية .

تولى الشيخ محمد الحسن الإدريسي الزعامة الروحية لمريدي الطريقة، وتعتبر هذه الطريقة هي الأم التي تفرعت منها الطريقة الختمية والأسرة الدندراوية بأم درمان والطريقة الإسماعيلية بالأبيض.  اشتهر من رجال البروفيسير عبد العال الإدريسي الأستاذ بكلية الطب جامعة الخرطوم.


7.الطريقة العجيمية

نشأت في شمال السودان في قرية البرصة، أسسها السيد محمد علي العجيمي، وقد ناهضت  الطريقة الختمية نشأة هذه الطريقة في مناطق نفوذها التقليدية، اعتبر أتباع الطريقة الختمية أن مولد الطريقة العجيمية بالزخم الذي ولدت به والإقبال الكبير الذي لقيته من سكان المنطقة ربما يشكل منافساً لهم فطفقوا يشككون في الطريقة الوليدة ويثيرون الظنون والشبهات حول مراميها وأهدافها . وقد بلغ السلوك العدائي ذروته في قذف الشيخ محمد علي العجيمي وحيرانه في الخلوة بالحجارة وهم يتصايحون (يا منكرين فويلكم هبت عواصف ليلكم).

ومنذ وقت مبكر؛ أجازت الطريقة الحضرة المختلطة  حيث يشمل مجلس الذكر الرجال والنساء وقد كانت جمهرة النساء يشددن الرحال من تخوم القرى المجاورة  لقرية البرصة في شمال السودان، واتهمها خصومها بالفساد الأخلاقي بسبب ذلك.

وقد انتقلت العجيمية من ريفي مروى إلى عطبره فالخرطوم على يد السيد عبد الباقي- الذي أسس مؤسسة العجيمي بالسجانة عام 1964م- ثم انتشرت في بقية أنحاء البلاد. ومن أشهر شيوخها الشيخ نور الدائم العجيمي وعبد الباقي العجيمي والمهندس الصافي جعفر الذي ينتسب للحركة الإسلامية السودانية أيضاً.

وبجانب هذه الطرق تنتشر عشرات الطرق الصغيرة والفرعية في السودان، من الطريقة الإسماعيلية بالأبيض، والطريقة الهندية بوسط السودان والطريقة المكاشفية والطريقة العزمية وهي طريقة مصرية الأصل، وتعتبر الطريقة الركينية آخر الطرق تأسيساُ في السودان وقد بدأت في سهل البطانة وسط السودان ثم انتقلت إلى الخرطوم مطلع التسعينيات.

-----------------
* صحفي وباحث سوداني في الحركات الإسلامية، ويمكن التواصل معه عبر البريد
التالي: هذا البريد محمى من المتطفلين. تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته.
* خاص بموقع الإسلاميون .نت
 

Additional Info

  • field:
Last modified on الثلاثاء, 15 تموز/يوليو 2014 12:03

993 تعليقات

Leave a comment